بحث حول معركة جبل الجرف


بحث حول معركة جبل الجرف

مقدمة:

إذا كان المولى عز وجل أقرأنا من لدن كتابه الحكيم، أن «سبح لله ما في السماوات وما في الأرض» فإن هذه الديار وهذه الأرض الجزائرية قاطبة سبح فيها التاريخ بمآثر نساء ورجال تدافعوا أمام محاريب الحق وقمم العزة والكرامة، يوثرون على أنفسهم وأموالهم وأفتدوه بأرواحهم وأرزاقهم، والأمانة التي أنيطت لنا في حمل هذا التاريخ ونقله ودراسته بأسلوب منهجي وعلمي، فقد ركزنا في مذكرتنا هذه على دراسة الثورة التحريرية بالمنطقة الأولى التاريخية( أوراس اللمامشة) خاصة الناحية الشرقية من هاته المنطقة التي شهدت خلال العام الأول من اندلاع الثورة نشاطا ثوريا حافلا بالبطولات، حيث كانت تبسة هي السباقة إلى هذا النشاط منذ فاتح نوفمبر 1954 إلى معركة الجرف الكبرى أواخر سبتمبر 1955 ثم استمر النشاط الثوري بهذه الناحية حتى 1962، حيث دارت بها عما يقل عن 20 مواجهة بين معارك واشتباكات وكمائن، وأشهرها على الإطلاق معركة الجرف التي أردناها أن تكون دراسة  أكاديمية نوضح فيها بعض الجوانب المظلمة من هذه الملحمة. فلبحثنا هذا أهمية في ترسيخ تاريخ أمة ووطن وشعب بصورة واقعية، تاريخية منبثقة من مصادر تاريخية وحوارات شخصية عن أهمية معركة الجرف بالنسبة للوطن بصفة عامة وللمنطقة الأولى بصفة خاصة.

تطرقنا لهذا الموضوع "معركة الجرف" وفقا للمنهج العلمي، لأننا وجدنا فيه ما يناسب تصوراتنا وما يتماشى مع قدراتنا المعرفية المكتسبة ويدعمها ويعمقها ويعززها بمعارف جديدة  فمن أبرز الأسباب التي أدت إلى هذا:

v ترسيخ وتخليد الثورة: حتى لا يلف الذاكرة النسيان، سعينا إلى تخليد وتمجيد وتبجيل ملحمة الشعب لأنها إرث مشترك تعتريه، وهذا لضمان بقاء هذا التاريخ لأنه يعتبر ذاكرة أمة وشعب متجذرة.

v دراسة تاريخ الولاية العريقة"تبسة" لأننا أبناء هذه الأخيرة، ودراسة ملحمة من الملاحم التي احتضنتها هذه الولاية "معركة الجرف" ومعرفة أسرار وأحداث هذه المعركة.

v   تدوين أحداث هذه المعركة "معركة الجرف" والسهر على تثبيت الأحداث والخروج إلى الميدان واستجواب المجاهدين ورصد المعلومات الهامة والجوانب التي أهملتها الدراسات السابقة بقدر الإمكان.

v دراسة هذا الموضوع "معركة الجرف" التي جاءت في وقت مبكر من تاريخ الثورة ونعني بهذا الثورة في عامها الأول ومعرفة صداها ونتائجها وتأثيرها في مسار الثورة التحريرية.

 

معركة الجرف المعركة الشهيرة العظيمة نشبت بين المجاهدين وقوات الجيش الفرنسي في يوم 22 سبتمر عام 1955 بمنطقة الأوراس غرب مدينة تبسة وهي تعد أقوى وأطول معركة في تاريخ الثورة الجزائرية المجيدة حيث دامت ثماني أيام تكبد فيها الجيش الفرنسي خسائر كبيرة - 700 جندي - إضافة إلى خسائر مادية كبيرة بينما استشهد 100 مجاهدا جزائريا وقد انتهت بنصر كبير للمجاهدين.

اليوم الاول من المعركة:

في فجر يوم 22 سبتمبر 1955 نشبت معركة على أشدها من طرف القوات الاستعمارية الفرنسية ضد وحدات المجاهدين المتواجدة بقلعة الجرف وبدأت بقصف مدفعي مكثف كتمهيد لتقديم وحدايها،اثرها حاولت القوات الاستعمارية الفرنسية على جبهات ثلاث (شرقية وشمالية وجنوبية) وأقتربت كتيبة دبابات يتبعها فيلق مشاه من اللفيف الاجنبي باتجاه المخل الشمالي لمخل الجرف. وباقترابها من المدخل نفدت الخطة من طرف المجاهدين حيث تم احراق الدبابتين الاماميتين وعطب أربعة أخرين، وكان الالتحام بالقوات الاستعمارية عن كثب بحيث لم ينج من فيلق المشاة الا قليل. وفي الجولة الأولى للمدخل، تقهقرت قوات الاستعمار خائبة وغنم المجاهدون كميات هائلة من الأسلحة الاتوماتيكية التي بقيت منتشرة بجانب الجثث المرمية بعضها فوق بعض ,كما صدت القوات الاستعمارية من الجنوب والشمال خائبة وغنم المجاهدون كميات أخرى من الأسلحة الاتوماتيكية الخفية ,وتم عطب 18 واحراق البعض منها بالجبهة الشمالية. تقهقرت القوات الاستعمارية في هده الجولة، وفي تلك اللحظات الحاسمة قدمت اسراب من الطيران المقاتل مركزه قصفها على موقع الجرف بحيث ان المشاهد من الناحية الشرقية بالدرمون أو بناحية السطح يرى بعينيه المجردة كومة من الدخان تعلو السماء. وتواصل القصف المكثف حوالي نصف ساعة حاولت القوات الاستعمارية التقدم على الجبهات الثلاثة فاستدرجت في تقدمها تبعا للخطة الثورية المتعبة ,فنشبت المعركة على أشدها بين – جانبين- لمدة ثلاث ساعات متتالية أجبرت القوات الاستعمارية على التقهقر, فضربت من الخلف على الجبهات الثلاثة ,سادها ارتباك وذعر مخيف، حاولت التخلص من الهجومات الخلفية بتدخل سلاح المدفعية، لكنها لم تنجح الآن وحدات المجاهدين اقتربت من عساكر الفرنسيين، نظرا لعدم جدوى القصف المدفعي، وتواصلت المعركة بين الجانبين للمرة الثانية في اليوم الأول وحاولت القوات الاستعمارية نجدة قواتها فاصطدمت بقوات المجاهدين المحاصرين للعدو، كما حاولت القوات الاستعمارية عن طريق النجدات الملحقة فأصبحت المعركة بين جبهات متعددة جبهة المجاهدين بموقع الجرف، هجوم استعماري مقابل تطويق من وحدات من المجاهدين ضد القوات الاستعمارية المشبكة مع الجبهة الأولى اشتباك ثاني لصد نجدات العدو الملحقة. خيم الظلام الدامس استر تقدم وحدات المجاهدين كتغيرات الأحكام.الحصار على القوات الاستعمارية ,في جوف هده الليلة المباركة تم القضاء على القوات الاستعمارية المحاصرة بتمامها كما تم غنم أسلحة أوتوماتيكية ذات بال، وغنم كميات هائلة من الذخيرة ومدفعين (بازوكا) وجهاز إرسال و استقبال لاسلكي.

اليوم الثاني من المعركة:

في الصباح الباكر بدائت القوات الاستعمارية بالقصف طويل المدى بطاريات بناحية الدرمون شرقا والبطاريات الثانية بالسطح غربا، ومجموعة البطاريات رقم ثلاثة تمركزت شرق راس العش، وباثر انتهاء القصف طويل المدى ابتدات مدفعية الهاون القصف كطريقة لستر تقدم الوحدات و اقترابها من مرابطي القلعة (المجاهدون) اشتعلت النيران على أشدها وتواصلت اليوم كله بحيث نجدات العدو متلاحقة الواحدة تلوى الأخرى بالرغم من امتدادات العدو لم تستطع الاقتراب من موقع الجرف (مقر الإدارة)، في مساء اليوم قدمت نجدات من المجاهدين الأشاوس الذين يدفعهم قوة الايمان بقضيتهم، وفك الحصار عن اخوانهم، فاشتعلت النيران بين الطرفين من جديد فوجدت القوات الاستعمارية نفسها محاصرة من الطرفين حاولت التخلص فلم تفلح ,وفشلت خطة هجوم الاستعمار الفرنسي لليوم الثاني ولم يخرج من قوات الاستعمار الا القليل جدا فارا بنفسه بدون سلاح. اظرت القوات الاستعمارية إلى تجديد القصف بالمدفعية ليلا ,نتيجة ياسها من قواتها مستلهمة المقولة اليهودية. حينما فشلت في الخطة لليم الموالي طبقت القول اليهودي – علينا وعليكم يا رب -. تقرير عن صدى المعركة لليوم الأول والثاني أدى به الجنرال * بوفر* قائد الفرقة الثانية للمشاة المتحركة، واصفا قلغة الجرف تجابه قواتنا اعنف عمليات هجومية تصدت لها عمليات التمشيط والتطهير الواسعة المتجهة ضد اوراس النمامشة والشمال القسنطيني اعترضتها صخرة صلداء تمثللت في قلعة الجرف الواقع بجبال اوراس النمامشة، جبل قاحل مجدب وكنود، و المرابطون به اشداء كالصخور التي لا تتفتت إلى حد الات الظلمة الشديدة قد خيمت وان التعليمات كشف الاستطلاع الجوي ان منطقة العملتات توسعت واتسعت بعكس ما كان مقرر لدينا في تقدير الموقف المتبع مما يعرض قواتنا إلى صعوبات جمة.

اليوم الثالث من المعركة:

في فجر مبكر حاولت القوات الاستعمارية التقدم على جبهات ثلاثة تحت ستر مظلة مدفعية وهاونات في آن واحد بأثر بزوغ الشمس اقتربت قوات العدو من مواقع الجرف اشتعلت النيران بين الطرفين على أشدها لمدة أربعة ساعات والنيران ملتهبة بين الجانبين لم تستطع التقدم واضطرت إلى التقهقر خلف منطقة العمليات بقليل وابتدأ القصف الجوي بواسطة أسراب من الطائرات المعززة سرب وراء سرب ,والسرب يحتوي على 12 طائرة مقنبلة وابتدأت بقصف مكثف على موقع الجرف في الجبهة الجنوبية لمنطقة المعارك ثم إسقاط طائرة استطلاعية من طرف المجاهدين انتقل القصف للسلاح الجوي واسقطوا طائرتين مقاتلتين بمنطقة العمليات، تغير الموقف بأثر سقوط الطائرات الثلاثة، والتحقت نجدات جوية مكثفة غطت كامل منطقة العمليات المتربعة على أكثر من أربعين كلم مربع (40كلم²). ابتعد سلاح الجو عن موقع الجرف في اتجاه تركيز قنبلته ,على سلسلة وادي مسحالة ووادي هلال ,البياضة ,جبل العلق ,الجديدة وتدخل سلاح المدفعية والهاونات مركز قصفه على موقع الجرف كخطة تمهيدية وستر تقدم قوات العدو باثر اقترابها من مرابطي الجرف اشتعلت النيران على اشدها لمدة أكثر من ساعتين متتاليتين اجبرت القوات الاستعمارية على التقهقر منكسرة تاركة في الجبهة الشرقية دبابتين تشتعلان نارا ,وثلاثة مصفحات تشتعل نارا أيضا، منها عربة القيادة التي فر منها قائد العمليات تحت وابل من النيران المجاهدين وعلى بعد من عربته بحوالي 80 متر تم إسقاطه، وشوهد أخده بقوة وبسرعة بين أيدي قوات اللفيف الأجنبي ,فارين به إلى منطقة تجمعاتهم بناحية الدر مون الموقع المقابل لقلعة الجرف. فشلت القوات الاستعمارية في تقدمها وفي قصفها الجوي وقصفها بالمدفعية طويلة المدى والهاونات وسجل انهزامها للمرة الثالثة في المعارك.

خسائر العدو لليوم الثالث: ثلاثة طائرات (اثنان قتالية وواحدة استطلاعية) دبابتين ,وثلاثة مزمجرات ,وغنم كميات هائلة من الأسلحة الخفيفة الاتوماتيكية وكميات معتبرة من الخراطيش التي نزعت من فوق العساكر الجثث الهامدة المنتشرة في ساحة المعركة.

اليوم الرابع من المعركة:

القوات الاستعمارية حاولت التقدم تحت مظلة المدفعية والهاونات في الصباح الباكر على الجبهات الثلاثة باثر اقترابها من مواقع الجرف اصطدمت بوحدات من المجاهدين المتقدمة التي تم توزيعها وأخدها لإمكانها ليلا وبدلك وقعت القوات الاستعمارية في فخ لم تكن تتوقعه وضربت في الجهات الثلاثة ضربا جد قاسية مخلفة المئات من القتلى والجرحى كجثث متناثرة في ساحة المعركة. القيادة الاستعمارية أصيبت بذهول وقربت على إفلات زمام الامور من يدها، سادها الارتباك المتمثل في الكر والفخر لوحدلت المجاهدين الملحقة في اللحظات الحاسمة, تدخلت المدفعية ,مدفعية العدو بقصف مكثف على منطقة العمليات، وخارج منطقة العمليات. تدخل سلاح الجو على الجبهة الجنوبية موسعا قصفه إلى حليق الديب،، مساحلة، وادي هلال ام الكما كم ,مركزا قصفه على منطقة جبل البطنة الواقع غرب وادي هلال وأعالي جبل ام الراجمة والبياضة، لان استطلاع العدو كشف تحرك وحدات المجاهدين مناك في اتجاه تنفيذ الخطة تبعا لتقدير الموقف، موقف قيادة المجاهدين ,أثناء تقدم قوات العدو المكثفة تجاه قلعة الجرف فاصطدمت بمرابطي القلعة، وأجبرت على التوقف والتقهقر, منكسرة تاركة جثثا هامدة بمشارف قلعة الجرف ملقية على الأرض، و بجانب الجثث أسلحتها ومعداتها الذاتية، بحيث صعب على القوات الفرنسية الاقتراب من جثثها كحقيقة معاشة شاهدها المرابطون وتأكد لديهم بان صمودهم وقوة إيمانهم بالنصر المرتقب، هو سر نجاحهم في المعركة. شاهد المراقبون من المجاهدين المكلفون بالاتصال والأخبار ارتباكا شديدا في صفوف تجمعات القوات الاستعمارية في مناطق تجمعاتها. كما تم توزيع وحدات المجاهدين ليلا واخدهم لمواقعهم استعدادا لليوم الخامس للمعركة، ثم إرسال دوريات انتحارية لكشف مدى قوة العدو في مراكز تجمعاته المنتشرة على الجبهات الأربعة المحيطة بمنطقة الجرف، والاتصال بوحدات المجاهدين في الخلف بقمم جبال العلق, الجديدة, الاتصال بالدوريات لتامين الخطوط بخناق الأكحل، وجبال كميل (أريس) لطلب نجدات المجاهدين وتأهبها لتنفيذ الخطة المتفق عليها حسب تقديم الموقف كل دلك، التحقت معلومات عن طريق الدوريات العائدة من مهمتها أن قوات استعمارية جد كبيرة قدمت من باتنة وتلاغمة، سطيف، بريكة، بوسعادة وبسكرة، تمركزت على طول الخط الفصل بين جبال أوراس و جبال النمامشة كحصار على طول خط وادي عبدي ووادي العرب هدفا منها قطع الاتصال بين وحدات المجاهدين.

خاتمة:

لعبت منطقة اللمامشة دور ثوري وحربي كبير أفقد العدو صوابه وهذا بفضل المعارك المتواصلة في هذه المنطقة والمواقع الإستراتيجية التي تزخر بها وهذا ما يلاحظ في نهاية المعركة التي تعتبر بداية للنصر ومواصلة الكفاح المسلح وخروج جيش التحرير الوطني بأقل الخسائر وهذا راجع إلى المجهودات الجبارة التي بذلوها في سبيل الوطن والتضحية بكل نفس ونفيس، وكان قرار المجاهدين في هذه المعركة هو قهر العدو بالإيمان والشجاعة متخذين القرآن الكريم منهجا ونبراسا في تحقيق ما يصبون إليه وذلك لقوله تعالى"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين" البقرة 247.

وتبيان للأجيال الصاعدة أن النصر يكون عماده العزيمة والمواجهة مهما كانت الظروف ومهما كانت النتائج، كما تعتبر معركة الجرف حدث تاريخي كبير غير مجرى التخطيطات العسكرية الفرنسية كما خلقت وضعا جديدا سمح بتحرير بعض المناطق الشاسعة، وهذه المعركة كانت كرد فعل على إحباط  وإخفاق المزاعم الاستعمارية وحدا فاصلا بين تقهقر الاستعمار وتحقيق النصر رغم اختلال عنصر التكافؤ بين الطرفين واثبات للعدو أنه لا يستطيع إخماد الثورة الجزائرية مهما حاول ومهما خطط وهذا ما زاد عزيمة على مواصلة الثورة واتخاذ هذه المعركة كمرتكز في تحقيق نجاحات أكثر واتخاذها نموذجا في تسطير المعارك التي تلتها.

والجدير بالذكر أنها كانت دافعا للتعريف بالقضية الجزائرية بطريقة أوسع وأشمل وتسجيل القضية الجزائرية في هيئة الأمم المتحدة بكل فخر وثقة.

         ويكفي للجزائر فخرا أنها لقنت فرنسا درسا لن تنساه أبدا في هذه المعركة وإثبات للعدو أن المجاهدين ليسو بفلاقة ولا قطاع طرق وإنما هم أصحاب حق ومدافعين عن أرض شرف وعدالة وإيمان.




التحميل




في أمان الله

google-playkhamsatmostaqltradent